إن مفتاح الإجابة عن ذلك هو أنه يجب أن نفرّق بين ثلاثة أشياء هي الربا الذي حرّمه الإسلام، والظلم الذي كان يقع على المحتاجين بسبب الديون، والفائدة المصرفية الحديثة التي يحصل عليها البنك مقابل الإقراض.
ولنناقش تلك المسألة من زاويتين: تاريخية واقتصادية، ثم دينية وفقهية؛ لأن اختزال الموضوع في جملة «كل زيادة على المال حرام» لا يشرح وحده لماذا حُرّم الربا، ولا يجيب عن معاناة الشخص الذي لا يجد أمامه وسيلة أخرى لتمويل احتياجاته.
1. من أين تأتي أرباح البنك؟
البنك ليس مؤسسة خيرية، وإنما مؤسسة مالية تحقق أرباحاً من عدة مصادر:
- القروض: يقرض الأفراد والشركات ويحصل على عائد مقابل التمويل.
- تمويل المشروعات: يمول المصانع والشركات والأنشطة التجارية.
- الاستثمارات: يستثمر أمواله في أدوات مالية وسندات وأصول مختلفة.
- الرسوم والعمولات: مثل رسوم الحسابات والتحويلات والخدمات المصرفية.
- إدارة الأموال: يقدم خدمات مالية واستثمارية للعملاء.
ولكي نفهم الصورة، نتخيل أن شخصاً أودع مبلغا من المال بالجنيه او باي عمله اخرى في البنك، وأن البنك استخدم جزءاً صغير جدا من الأموال المتاحة لديه في تمويل شخص آخر.
وإذا موّل البنك شخصاً بمبلغ 100 ألف جنيه، واتفق معه على سداد 120 ألف جنيه، فإن الفرق البالغ 20 ألف جنيه يمثل عائداً تمويلياً إجمالياً قبل خصم تكاليف البنك والمخاطر والمصروفات.
لكن السؤال الأخلاقي والديني هنا هو هل كل زيادة على المال ظلم؟ أم أن هناك فرقاً بين عائد مشروع وبين استغلال حاجة الإنسان؟
هذا هو جوهر الخلاف الذي يستحق البحث. ليس لنا من الأمر من شيء ليست مشكلتك انت انك اقترضت من شخص يزيد في المال عن الحد عند اقراض شخص آخر باموالك فالمشكلة تقع على عاتقه هو وليس انت. لماذا يقترض شخص ويدفع مبلغ اكبر عند الدفع وهناك بنوك اسلاميه لا تزيد النسبة وقد صرح بها كثير من الشيوخ مثل بنك فيصل الاسلامي. فعند الاقتراض حول مبلغ المالك المطلوب للقرض لبنك فيصل واقترض منه وهذا اسهل الحلول. لاحظ أن معظم البنوك لا تقرض احد لكجرد القرض فيجب أن يكون القرض لشراء سيارة وهذا اما رفاهية او للعمل عليها كسائق والربح منها وبالتالي فليس من المنطق اعطاءك لتربح وعدم الربح معك كشريك كبنك ممول للعمليه كلها.
2. لماذا حُرّم الربا في الإسلام؟
القرآن لم يكتفِ بالنهي عن الربا، بل وضع في مقابل ذلك مبدأ التجارة والعدل.
قال الله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
وقال أيضاً:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280].
لاحظ أهمية الآية الثانية؛ فهي تتحدث عن المدين الذي أصبح عاجزاً عن السداد، وتأمر بإمهاله حتى تتيسر أموره.
وهنا تظهر إحدى أهم المشكلات الأخلاقية في نظام الديون وهي أن الإنسان قد يقترض لأنه محتاج، ثم تتحول حاجته إلى عبئ أكبر كلما تأخر في السداد.
لكن من المهم ألا نختزل تحريم الربا في أن الفائدة مرتفعة أو أن المقترض فقير؛ ولا أعرف هل الفقه الإسلامي التقليدي يرى أن ربا القرض محرّم حتى لو كانت الزيادة قليلة، وحتى لو كان المقترض غنياً؟ إذا فالتجارة كلها حرام لأنها تعتمد على الربح وانا كغني اصبح اغنى والفقير يصبح افقر لأنه لا يستطيع فعل شيء ! بالإضافة أن الزكاة تغني عن القروض فمن يزكي اليوم فرضا ويجب أن يؤخذ منه المال كما فعل سيدنا ابو بكر رضي الله عنه بحروب الردة من الذين كانوا لا يريدون دفع الزكاة ؟ إذن، ارتفاع الفائدة قد تزيد المشكلة خطورة، لكنهما ليسا شرطا للتحريم.
3. هل كان هذا يحدث في مكة والمدينة قبل الإسلام؟
هنا نحتاج إلى تصحيح نقطة تاريخية مهمة. كان الربا معروفاً في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يكن مقتصراً على اليهود. فقد عرفته بعض القبائل العربية، وكان التجار وأصحاب الأموال يمارسونه.
ومن أشهر الصور التي ذكرها المفسرون:
- يقترض شخص مبلغاً لمدة سنة.
- يحل موعد السداد ولا يستطيع الدفع.
- يقول الدائن للمدين إما أن تسدد الآن، وإما أن أزيد لك المدة مقابل زيادة الدين.
- إذا عجز مرة أخرى، زاد الدين مجدداً.
وهكذا قد يتحول دين صغير إلى دين ضخم كإتازة إجبارية قد يصعب الخروج منه. والإتاوة هي أخذ المال بالقوة أو باستخدام العقل القوي ضد قليل الحيلة أو الأقل علما، هي هي ولكن باسلوب مختلف.
يشرح ابن كثير هذه الممارسة عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾، ويذكر أن الدائن كان يخير المدين عند حلول الأجل بين السداد وزيادة الدين مقابل تمديد المهلة.
4. هل الفقير الذي يقترض من البنك اليوم يشبه المدين في الجاهلية؟
هذه من أهم النقاط في سؤالك، والإجابة أن هناك تشابهاً اقتصادياً واضحاً في بعض الحالات، وإن اختلفت الظروف والآليات.
تخيل معي هذا المثال:
شخص يحتاج إلى 100 ألف جنيه لعلاج ابنه أو لتجهيز منزله.
المبلغ الذي اقترضه 100,000جنيه
إجمالي السداد 160,000 جنيه، افتراضياً
ماذا يحدث إذا تعثر؟
- قد تتراكم عليه غرامات أو تكاليف تأخير وفق العقد.
- قد يتعرض لمطالبات قانونية.
- قد يضطر إلى الاقتراض من جهة أخرى لسداد الدين الأول.
- قد يتحول راتبه بالكامل تقريباً إلى أقساط.
لاحظ أن هذا الشخص لم يقترض ليتاجر أو يحقق ثروة بالضرورة، بل ربما اقترض لأنه لا يملك بديلاً.
وهنا تبرز مسألة العدالة الاجتماعية التي كانت حاضرة بقوة في معالجة القرآن للديون.
لكن يوجد اختلاف أيضاً فليس كل قرض مصرفي يؤدي إلى الاستغلال، وليس كل مقترض فقيراً، وليس كل تمويل مصرفي موجهاً للاستهلاك. فهناك قروض وتمويلات لشراء المنازل والمصانع والمعدات والمشروعات.
وهنا أرى أن التمييز بين حاجة المقترض وطبيعة العقد مهم جداً لفهم المسألة، حتى لو لم يكن وحده كافياً لتحديد الحكم الشرعي.
5. لماذا يحرّم بعض الشيوخ فوائد البنوك، بينما يجيزها آخرون؟
هنا توجد نقطة مهمة جداً فليس كل العلماء المعاصرين متفقين على توصيف العلاقة بين البنك والعميل.
هناك اتجاهان رئيسيان:
الاتجاه الأول التحريم
يرى كثير من علماء الفقه المعاصر أن الفائدة المحددة مسبقاً على القرض هي من الربا المحرّم، سواء كان المقترض غنياً أو فقيراً، وسواء كانت الفائدة 5% أو 30%.
ويستندون إلى أن حقيقة العقد هي إقراض مال مقابل ضمان استرداده بزيادة مشروطة. ومن المؤسسات التي تتبنى هذا الاتجاه مجامع فقهية وهيئات شرعية متعددة.
الاتجاه الثاني وهو الجواز في بعض المعاملات المصرفية
دار الإفتاء المصرية لها رأي مختلف ومعلن في هذه المسألة. ففي فتوى بتاريخ 25 أغسطس 2020، اعتبرت أن العلاقة المصرفية في صور التمويل والاستثمار الحديثة يمكن أن تكون عقد تمويل وليست قرضاً ربوياً، وبالتالي أجازت التعامل مع البنوك والانتفاع بعوائدها وفق هذا التكييف.
إذن، الخلاف ليس بالضرورة حول أن الربا محرّم؛ فالتحريم ثابت في النصوص، وإنما الخلاف في السؤال التالي:
هل العائد الذي يحدده البنك في العقد الحديث هو ربا القرض نفسه، أم أنه عائد ناشئ عن عقد تمويلي أو استثماري مختلف؟ وهذا خلاف في توصيف المعاملة وتكييفها الشرعي، وليس مجرد اختلاف في تقدير ارتفاع الفائدة.
6. هل المشكلة في الفائدة نفسها أم في استغلال حاجة الفقير؟
أريد أن أتوقف عند هذه النقطة لأنها جوهر السؤال، فهناك ثلاثة سيناريوهات:
الحالة | المشكلة الأخلاقية |
|---|---|
شخص غني يقترض لتوسيع مصنعه | قد يكون التمويل مفيداً اقتصادياً |
شخص متوسط الدخل يقترض لشراء منزل | قد يساعده التمويل في تحقيق احتياج أساسي |
شخص فقير يقترض للعلاج ولا يستطيع السداد | قد يتحول التمويل إلى عبئ اجتماعي قاسٍ |
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن تكون الفائدة ثمناً للتمويل ومقابلاً للمخاطر والتكاليف، وليس بالضرورة استغلالاً متعمداً.
لكن من الناحية الشرعية، يرى الاتجاه الفقهي الذي يحرم فوائد القروض أن وجود مبرر اقتصادي للفائدة لا يغير حكمها.
وهنا تظهر أهمية البدائل التي يقدمها الاقتصاد الإسلامي، مثل:
- القرض الحسن دون زيادة مشروطة.
- المشاركة في الأرباح والخسائر.
- المرابحة لشراء سلعة معلومة بثمن مؤجل معلوم.
- التكافل الاجتماعي والزكاة لمساعدة المحتاجين.
والمهم أن هذه البدائل ليست كلها مناسبة لكل حالة، كما أن مجرد تسمية التمويل إسلامياً لا تضمن عدالته مئة بالمئة؛ فلا بد من فحص حقيقة العقد وتطبيقه.
7. هل الإسلام يريد أن يظل الفقير بعيداً عن التمويل؟
بالتأكيد لا يمكن اختزال التصور الإسلامي في منع الفقير من الحصول على المال.
انظر إلى الآية:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
هذه الآية تحمل تصوراً اجتماعياً مهماً:
- لا ينبغي أن يتحول عجز الإنسان عن السداد إلى فرصة لزيادة معاناته.
- يجب إمهال المدين المعسر.
- التنازل عن الدين أو بعضه من أعمال البر.
وهذا يجعلنا نتساءل هل ينبغي أن يكون النظام المالي مصمماً بحيث يستطيع الإنسان الحصول على التمويل دون أن يفقد استقراره وحياته بسبب الدين؟ هذا سؤال اقتصادي واجتماعي مشروع، وليس مجرد نقاش فقهي.
8. أريد أن أضع أمامك سؤالاً أعمق
لنفترض أن لدينا حالتين:
الحالة الأولى:
شخص يمتلك 10 ملايين جنيه، ويضعها في البنك ويحصل على عائد سنوي محدد، ويستخدم هذا العائد في معيشته.
الحالة الثانية:
شخص لا يمتلك شيئاً، ويحتاج إلى 100 ألف جنيه لعلاج زوجته، ولا يجد من يقرضه دون فائدة، فيلجأ إلى البنك ويلتزم بسداد مبلغ أكبر.
هل من المنطقي أن ننظر إلى الحالتين باعتبارهما متساويتين من الناحية الإنسانية والاجتماعية؟
من المؤكد أن وضعهما مختلف تماماً، لكن الحكم الفقهي لا يُبنى على الحالة الاجتماعية وحدها، بل على طبيعة العقد أيضاً.
وهذا هو التفريق الذي أريد أن ألفت انتباهك إليه:
- مسؤولية البنك عن تحقيق الربح.
- مسؤولية المجتمع عن مساعدة المحتاج.
- مسؤولية الدولة عن توفير أنظمة تمويل عادلة.
- مسؤولية الفقهاء عن بيان حكم العقود الحديثة.
كلها قضايا مترابطة، لكنها ليست قضية واحدة.
مراجع يمكنك الرجوع إليها
وأود أن أطرح عليك سؤالاً واحداً لاستكمال النقاش:
هل ترى أن المشكلة الأساسية في الفائدة المصرفية هي أنها زيادة على المال مهما كان سببها، أم أن المشكلة الحقيقية هي أن المال أصبح سلعة يستطيع الغني الاستفادة منها، بينما يضطر الفقير إلى دفع ثمن حاجته لمن يمتلك المال؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى نقاش أعمق بكثير عن فلسفة تحريم الربا، والفرق بين الاستثمار والإقراض، وهل يمكن بناء نظام مصرفي يحقق أرباحاً بشكل افضل بمراحل عن الموجود الآن.
ما الفرق بين الربا والرشوة والإتاوة؟
فلنطرح مقارنة تستحق التأمل: إذا كان الإسلام قد حرّم الرشوة والربا، فهل يتحمل الشخص المحتاج الذي يدفع المال نفس مسؤولية الشخص الذي يفرض عليه دفعه؟ وهل يستوي من يأخذ المال ظلماً مع من يدفعه لأنه لا يستطيع قضاء مصالحه بدونه؟
أول نقطة أريد توضيحها: الإسلام لا ينظر إلى الفعل وحده بمعزل عن النية والقدرة والإكراه والظروف. وهذه نقطة أساسية في فهم المسؤولية الدينية.
هل الذي يدفع الربا في النار مثل الذي يأخذه؟
ورد في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه:
«لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء».
وهذا حديث شديد الوضوح في التحذير من المشاركة في معاملة الربا.
- آكل الربا: من يأخذ الزيادة الربوية.
- مؤكل الربا: من يدفعها في المعاملة الربوية.
- الكاتب والشاهدان: من يشاركون في توثيقها.
لكن انتبه إلى أمور كثيرة منها التالي:
الأول: هل المجاعة تعفي من السرقة في كثير من الأحيان كما فعل سيدنا عمر في فترة المجاعة؟ وهل يشبه ذلك ويطبق على السلف من شخص يستغلك للفقر والجوع وعدم القدرة على الحياة بالمثل بجعل تدفع بالربا أو المسمى الصحيح وهو الإتاوة.
ثانيا: اللعن والوعيد لا يعنيان أننا نستطيع الجزم بأن شخصاً معيناً سيدخل النار؛ فالحكم النهائي على الأشخاص لله سبحانه وتعالى.
ثالثا: الحديث يتناول المعاملة الربوية وأطرافها، لكنه لا يعني أن كل من وقع في معاملة محرمة تحت الإكراه أو الضرورة أو الجهل له الحكم نفسه دون النظر إلى ظروفه.
فالقرآن يقول:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
كما أن قواعد الشريعة تفرق بين الاختيار والإكراه، وبين الحاجة والضرورة، وبين القدرة والعجز. وماذا يفعل شخص يواجه ضرورة حقيقية لا يجد لها بديلاً. لكن لا يصح أن نحكم تلقائياً بأن كل احتياج مادي يبيح الربا؛ فالضرورة لها ضوابط شرعية.
ما الفرق بين الرشوة والمال الذي يُفرض على الإنسان حتى يعيش؟
لنأخذ ثلاثة أمثلة مختلفة:
الحالة الأولى الرشوة للحصول على شيء لا تستحقه كبناء خمسة منازل مثلا أو شخص يدفع لموظف حتى يحصل على وظيفة ليست من حقه، أو يتجاوز شخصاً آخر في ترتيب مستحقات الناس. هنا الدافع والآخذ يشتركان في الإثم؛ لأن المال استُخدم للوصول إلى باطل أو إبطال حق شخص آخر.
الحالة الثانية: دفع المال للحصول على حقك، مثل شخص يذهب إلى موظف حكومي لاستخراج شهادة يستحقها قانوناً، لكن الموظف يتعمد تعطيل معاملته حتى يدفع له مبلغاً إضافياً.
هذا الموظف هو الذي يفرض الرشوة، والمواطن هنا لا يشتري امتيازاً غير مشروع، وإنما يحاول الحصول على حقه. وهنا توجد فتوى مهمة جداً لدار الإفتاء المصرية بعنوان «حكم دفع الرشوة لقضاء المصالح»، بتاريخ 19 سبتمبر 2005.
قررت الفتوى أن الدافع إذا لم يستطع استخلاص حقه إلا بالدفع وكان مضطراً، فإن الإثم يقع على الآخذ، لا على صاحب الحق الذي اضطر للدفع.
الحالة الثالثة: الإتاوة التي تُفرض بصورة مستمرة
تخيل أن شخصاً يمتلك محلاً تجارياً، ويأتيه شخص أو مجموعة ويقولون له:
- ادفع مبلغاً شهرياً حتى نتركك تعمل.
- إذا لم تدفع، سنؤذيك أو نتسبب في إغلاق محلك.
- إذا أردت ممارسة عملك بصورة طبيعية، فلا بد أن تدفع لنا.
هذا ليس تبادلاً تجارياً طبيعياً، بل صورة من صور الابتزاز وأخذ المال بغير حق. والشخص الذي يدفع تحت التهديد لحماية نفسه أو أسرته أو مصدر رزقه لا يُعامل كمن يدفع طواعية لشراء مصلحة غير مشروعة.
هل كل مبلغ إضافي يُطلب من الإنسان يُعتبر رشوة؟
لا. يجب التفريق بين أربعة أنواع:
نوع المبلغ | طبيعته |
|---|---|
رسوم حكومية مقررة قانوناً | مقابل خدمة أو إجراء مشروع |
ضريبة مقررة وفق القانون | التزام مالي عام |
رشوة يطلبها الموظف لنفسه | استغلال للوظيفة وأكل للمال بالباطل |
إتاوة يفرضها شخص بالتهديد | ابتزاز وإكراه |
فليس كل ما يدفعه الإنسان لأي شخص رشوة، وليس كل ما يُسمى رسماً أو خدمة مشروعاً بالضرورة؛ العبرة بحقيقة المبلغ وسنده القانوني.
هل الذي يدفع الإتاوة يتحمل ذنب الذي يأخذها؟
هنا تظهر قاعدة مهمة في الشريعة وهي لا يستوي المعتدي والمعتدى عليه.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وقال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
فإذا كان شخص يهددك ويمنعك من حقك أو يهدد سلامتك، ولم تجد وسيلة لدفع الظلم إلا بإعطائه المال، فليس من العدل الشرعي أن نساوي بينكما. وهذا لا يعني أن كل دفع تحت ضغط نفسي أو اجتماعي يأخذ تلقائياً حكم الإكراه الشرعي؛ بل تختلف الأحوال، وتُقدّر درجة الضرر والبدائل المتاحة.
لكن لماذا يُعفى دافع الرشوة أحياناً، ولا يُعفى دافع الربا دائماً؟
هذه مقارنة تستحق الوقوف عندها.
في الرشوة، قد يكون الدافع ضحية لفساد الموظف، ولا يريد إلا الحصول على حقه. ولذلك يمكن إعفاؤه من الإثم مع بقاء الإثم على الآخذ.
أما في القرض الربوي، فالمسألة أكثر تعقيداً:
- إذا دخل الإنسان في قرض ربوي باختياره، فالأصل عند جمهور الفقهاء تحريم مشاركته فيه. ويجب التفريق بين أن تدخل تجارة وتطلب من بنك سلفة ولا تعطيه كشريك ارباح وقد يحدث في قروض بعض البنوك الإسلاميه مثل فيصل أن لا يطلب منك ارباح وهو ما يجعل بنك فيصل متميزا عن باقي البنوك الإسلاميه.
- إذا كان مكرهاً إكراهاً حقيقياً، فهناك أحكام تتعلق بالإكراه.
- إذا واجه ضرورة حقيقية، فقد يبحث الفقهاء مدى انطباق رخصة الضرورة عليه، بقدرها وبشروطها.
وهنا لا ينبغي أن نستخدم حديث «هم سواء» لإغلاق باب البحث في ظروف المضطر، ولا أن نستخدم كلمة الضرورة لتبرير كل قرض استهلاكي.
6. هناك سؤال أخلاقي أكبر من الرشوة والربا
تخيل مجتمعاً أصبح فيه الإنسان مضطراً إلى دفع المال في كل خطوة:
- يدفع حتى يحصل على وظيفة.
- يدفع حتى يستخرج أوراقه.
- يدفع حتى يحصل على العلاج.
- يدفع حتى يستطيع تشغيل مشروعه.
- يقترض بفائدة لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف الحياة.
- ثم يدفع غرامات عندما يتعثر في السداد.
هل المشكلة هنا في أخلاق الأفراد فقط؟ أم أن هناك خللاً في منظومة اقتصادية واجتماعية تجعل الإنسان محاصراً بين الحاجة والديون والابتزاز؟
الإسلام لم يكتفِ بتحريم الرشوة والربا، بل وضع مبادئ لحماية المال والحقوق، وحث على إغاثة المحتاج وإمهال المدين المعسر ومنع أكل أموال الناس بالباطل.
وأريد أن ألفت نظرك إلى فرق مهم جداً وهو من يمتلك المال ويستغل حاجة الآخرين ولا يدفع الزكاة ليس كمن لا يمتلك المال ويبحث عن وسيلة للبقاء. ومن يفرض الإتاوة ليس كمن يدفعها تحت التهديد. والعدل يقتضي ألا نضع الاثنين في ميزان أخلاقي واحد.
7. ثلاثة أحاديث وآيات تستحق التأمل
حديث «لعن الله الراشي والمرتشي» في التحذير من الرشوة.
- موسوعة الأحاديث النبوية المترجمة
حديث لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه.
- موسوعة الأحاديث النبوية
- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279].
وأعتقد أن الآية الأخيرة تلخص جانباً مهماً من القضية وهي لا يجوز أن يكون تحقيق مصلحة طرف قائماً على ظلم الطرف الآخر.
وأريد أن أطرح عليك سؤالاً لاستكمال النقاش، إذا كان موظف يفرض على المواطن رشوة، وبنك يفرض على محتاج فائدة مقابل قرض لا يستطيع الاستغناء عنه، وشخص يفرض إتاوة على صاحب محل حتى يسمح له بالعمل، فهل ترى أن جوهر المشكلة في الحالات الثلاث هو استغلال حاجة الإنسان من قِبل من يمتلك القوة أو المال؟ هذا السؤال مهم؛ لأنه يفتح باباً لفهم العلاقة بين تحريم الربا والرشوة والابتزاز والإتاوة، دون أن نفترض أن أحكامها الشرعية متطابقة.
مقارنة مع ما كان يفعله سيدنا عمر في المجاعة للسارق وماذا لو كان فقير يأخذ ربا
أعتقد أن استحضار لموقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أقوى المداخل لفهم النقاش الذي بدأناه عن الربا والرشوة والإتاوة والفقير المضطر. لأن سيدنا عمر رضي الله عنه المبشر بالجنة والذي قال فيه سيدنا محمد الكثير من الأقاويل التاريخية لجمال شخصيته بشكل غير معتاد، لم ينظر سيدنا عمر فقط إلى أن شخصاً ارتكب فعلاً محرماً، بل بحث عن الظروف التي دفعته إليه، وعن مسؤولية المجتمع والسلطة عن تلك الظروف. وهنا نجد درساً مهماً جداً.
1. ماذا فعل سيدنا عمر في عام الرمادة؟
اشتد الجوع، وقل الطعام، وتأثرت حياة الناس والماشية، وأصبح الحصول على الغذاء أمراً بالغ الصعوبة.
لم يتعامل سيدنا عمر مع الأزمة باعتبارها مجرد مشكلة أفراد يخالفون القانون، بل اتخذ إجراءات واسعة، منها:
- إرسال طلبات الإمداد بالطعام إلى مصر والعراق.
- الإشراف على توزيع الطعام على المحتاجين.
- مشاركة الناس معاناتهم، حتى إنه شدد على نفسه في الطعام.
- تأخير جباية الزكاة في تلك الأزمة وفق الروايات التاريخية.
- عدم إقامة حد السرقة في حالات المجاعة التي تتوافر فيها شبهة الضرورة.
وتذكر المصادر قصة غلمان حاطب بن أبي بلتعة الذين أخذوا ناقة لرجل من مزينة بسبب الجوع.
في البداية أمر سيدنا عمر بقطع أيديهم، ثم استدعى سيدهم حاطباً، ولما تبين له أنه كان يجوعهم ولا يوفر لهم كفايتهم، امتنع عن قطع أيديهم وألزمه بغرامة مضاعفة لصاحب الناقة.
وقال له، بحسب الرواية:
«إنكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم عليه حل له».
هذه القصة مذكورة في كتب الفقه، ومنها إعلام الموقعين لابن القيم.
2. ما الذي فعله سيدنا عمر بالضبط؟ ولماذا؟
المسألة ليست أن سيدنا عمر أباح السرقة بصورة مطلقة، ولا أنه ألغى حكم السرقة.
بل إنه رأى أن الجوع الشديد قد يجعل الشخص مضطراً، وأن وجود الضرورة شبهة تمنع تطبيق حد السرقة.
وهنا توجد ثلاثة أطراف:
الطرف | موقف عمر |
|---|---|
الشخص الجائع | راعى اضطراره ولم يقطع يده |
صاحب المال | لم يهدر حقه وألزمه بالتعويض |
المسؤول عن تجويع العمال | حمّله مسؤولية تقصيره وعاقبه مالياً |
وهذه نقطة بالغة الأهمية: لم يكتفِ عمر بالتسامح مع المحتاج، بل بحث عمن تسبب في احتياجه.
وقد شرحت دار الإفتاء المصرية هذا المعنى بأن الحد لم يُقم لوجود شبهة الضرورة وانتفاء شروط وجوبه، وليس لأن الحكم الشرعي قد أُلغي. دار الإفتاء المصرية
3. لو طبقنا هذا المنهج على الفقير الذي يقترض بفائدة، ماذا كان يمكن أن نفهم من موقف سيدنا عمر؟
هنا نصل إلى جوهر سؤالك.
تخيل حالة مشابهة:
- رجل فقير يحتاج إلى المال لعلاج طفله.
- لا يجد قرضاً حسناً.
- لا توجد جهة خيرية تساعده.
- لا يستطيع الحصول على المال إلا من بنك يشترط عليه فائدة.
- إذا لم يقترض، فقد يتعرض هو وأسرته لضرر بالغ.
هل ننظر إليه فقط باعتباره شخصاً دخل في معاملة ربوية؟ أم ننظر أيضاً إلى المجتمع الذي لم يوفر له مخرجاً؟
أعتقد أن موقف سيدنا عمر يعلمنا ضرورة النظر إلى الظروف والمسؤوليات، لا الاكتفاء بالحكم على ظاهر الفعل.
لكن يجب أن نكون دقيقين: لا توجد رواية ثابتة معروفة تقول إن سيدنا عمر أسقط إثم الفائدة عن المقترضين في عام الرمادة. كما أن إسقاط حد السرقة لوجود شبهة الضرورة لا يعني تلقائياً إسقاط حكم كل معاملة ربوية.
ومع ذلك، فإن قواعد الضرورة والإكراه والعجز عن البدائل لها أثر في بحث المسؤولية الشرعية للمضطر، ويجب أن تُدرس كل حالة بظروفها.
4. المقارنة بين السارق الجائع والمقترض المضطر
المثال الأول السارق في عام الرمادة جائع لا يجد طعاماً:
- يضطر إلى أخذ الطعام.
- يراعي الحاكم ضرورة الجوع.
- لا يقيم عليه حد السرقة عند تحقق شروط الضرورة.
- لا يهدر حق صاحب المال.
المثال الثاني المقترض المضطر اليوم:
- يحتاج إلى المال للعلاج أو الغذاء أو السكن.
- لا يجد تمويلاً بديلاً متاحاً.
- يقترض بفائدة.
- يجب بحث درجة الضرورة والإكراه والبدائل.
- لا يجوز تجاهل مسؤولية المجتمع والمؤسسات عن توفير الحماية والمساعدة.
التشابه هنا في ضرورة فحص حالة المحتاج، وليس في تطابق الحكم الفقهي للحالتين.
5. الدرس الأكبر من لسيدنا عمر لا تعاقب المحتاج وتترك من تسبب في احتياجه
هذه في رأيي أهم نقطة في القصة كلها. سيدنا عمر إبن الخطاب رضي الله عنه لم يقل فقط لا تقطعوا يد الجائع. بل بحث عن سبب الجوع، ولما اكتشف أن سيد الغلمان يجوعهم رغم استخدامه لهم، حمّله المسؤولية. وهذا يفتح باباً مهماً عند الحديث عن المؤسسات المالية والمجتمع:
- هل توفر الدولة قروضاً اجتماعية بلا فوائد للمحتاجين؟
- هل توجد حماية حقيقية للمتعثرين؟
- هل توجد رقابة تمنع استغلال المضطر؟
- هل يستطيع الإنسان الحصول على العلاج والسكن والغذاء دون الوقوع في دوامة الديون؟
لا ينبغي أن تكون مسؤولية الإنسان وحده هي محور النقاش، بينما تُنسى مسؤولية من يملك المال والقوة والقدرة على تخفيف معاناته.
خلاصة المقارنة
أريد أن أضع أمامك مبدأ أراه جوهرياً في فهم ما فعله سيدنا عمر وهو:
لا تنظر إلى المخالفة وحدها، بل انظر إلى الحاجة التي دفعت إليها، والقدرة على تجنبها، ومن تسبب فيها، ومن كان يستطيع منعها.
وهذا لا يعني إلغاء الأحكام الشرعية، وإنما تطبيقها مع شروطها وموانعها ومقاصدها.
وأترك لك فكرة أخيرة للتأمل:
لو كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش بيننا اليوم، ورأى فقيراً اقترض بفائدة ليعالج ابنه، ورأى في المقابل مؤسسة مالية تحقق أرباحاً ضخمة من تمويل المحتاجين، فهل كان سيكتفي بالسؤال عن حكم القرض؟ أم كان سيسأل أيضاً: لماذا وصل هذا الفقير إلى مرحلة لم يجد فيها من يعالجه إلا بالدين؟ لا نستطيع أن ننسب إليه حكماً لم يقله، لكن من المؤكد أن البحث عن أسباب الأزمة ومسؤولية القادرين عنها كان جزءاً واضحاً من سياسته في عام الرمادة.
